PDA

عرض الاصدار الكامل : معركة البترول والأرز


الشاهين
13-08-2007, 11:22 AM
بقلم - عبد الرحمن الراشد
«البحث عن بدائل» و«نقص المخزون» و«مخاوف من ارتفاع الأسعار»، كلها عبارات مألوفة لكنها هذه المرة لا تخص النفط بل الأرز، او (الرز) كما نسميه. والسؤال هل نحن بصدد حرب متبادلة بين النفط والأرز، كما يخيل إلى بعضنا، وان العالم الآخر ينتقم منا عبر رفع سعر أهم سلعة غذائية على طاولة الغداء والعشاء ردا على أسعار النفط؟
في الاتهام شيء من الصحة، من حيث أن بعضا من ارتفاع السعر تضخم طبيعي نتيجة ارتفاع أسعار البترول بمشتقاته التي تشغل كل ما نراه حولنا. والارتفاع لا بد أن ينعكس على كل المنتجات في العالم، بما فيها رز البسمتي الهندي. واذا كان تجار الرز يعتقدون انهم يستطيعون تحصيل اموال عرب النفط من خلال معدتهم عبر الوجبة الرئيسية، الرز، فهم قد ينجحون في حال استسلمت المطابخ المنزلية ورفضت التغيير. لكن على السياسيين ان يتدخلوا لا بتخفيض اسعار الرز قسرا، ولا بتقديم الاعانات له بل بنصح الناس بالتقليل من اكله، خاصة انه كوجبة نشوية وراء السمنة والأمراض الناجمة عنها.
والسياسة مرتبطة بالأكل ارتباطا عضويا وتاريخيا إصلاحا او تخريبا. فثورة فرنسا اشتعلت بعبارة لامبالاة من ملكة فرنسا ماري انطوانيت، عندما اشتكوا اليها من ارتفاع اسعار الخبز، قالت «فليأكلوا البسكويت». ويقال انها عبارة ملفقة لم يثبت ان انطوانيت نطقت بها، بل الصقت بها. انما الأكيد ان الخبز هو الذي اشعل الشارع المصري في عام 77، وثورة الخبز في تونس أدت إلى إسقاط الرئيس الحبيب بورقيبة، وساهمت فوضى أسعار السكر في إضعاف النظام الديموقراطي اليتيم في عهد الصادق المهدي. ولعل ابرزها ثورة الشاي التي قادت الى تأسيس الولايات المتحدة واستقلالها عن بريطانيا. القصة بايجاز ان المستعمرين الانجليز وضعوا ضرائب قاسية على الصادرات الى اميركا، مما اثار سخط الناس، تراجع الانجليز عن المكوس باستثناء ضريبة الشاي فهجم الاميركيون على السفن الانجليزية في ميناء بوسطن والقوا بحاويات الشاي في المياه. وبلغ غضب انجلترا ان برلمانها اعتبر الهجوم على صناديق الشاي عملية همجية، وقرر معاقبة بوسطن باغلاق الميناء حتى يتم دفع ثمن الشاي. بعدها نشبت معارك حقيقية بين الجنود وسكان المستعمرات في 1775 وانتهت باستقلال الولايات المتحدة بعد ست سنوات من ثورة الشاي تلك.
ولا توجد علاقة بين أحداث التاريخ المعاصرة مع أسعار الرز اليوم، لان أكثر من نصف العالم يأكل الرز كوجبة رئيسية. والسبب الآخر ان تجار الأرز لا يملكون القدرة على بناء كارتيل انتاجي مثلما فعلت اوبك، لأن هناك اكثر من ثمانين دولة في العالم تنتج الأرز، مما يجعل المنافسة مفتوحة، بما فيها رز العنبر العراقي الذي يعد الأفضل في العالم. ايضا بدائل الأرز اكثر من بدائل النفط لو شاء اكلة الرز التوجه اليها، لكنها مهمة ليست بالسهلة حتى مع قدرة العلم حديثا على تطوير ومعالجة الأرز بعد اكتشاف خريطته الجينومية. لذا ننصح تجار الرز الا يدفعوا الناس الى ان ينقلبوا على بضاعتهم، كما انقلب الاميركيون على الشاي فقاطعوه، ومنذ ثلاثمائة سنة صاروا يحتسون القهوة بديلا، وشهر رمضان المقبل سيكون أكبر امتحان بين المستهلكين والمستوردين.
* نقلاً عن صحيفة الشرق الأوسط .