PDA

عرض الاصدار الكامل : همسة: المشاعر الايجابية تبعد عنك شبح القلق


علياء القمر
01-12-2007, 09:46 PM
المشاعر أولاً
بقلم :د. بسام درويش



عاد مسرعا الى البيت الذي تحول مع مرور الأيام الى محطة، وبحث بسرعة عن بعض الأوراق الهامة بين ملفاته فوق طاولة المكتب الذي يحتل حيزا في إحدى الغرف، وبعد أن تفحصها بشكل دقيق، انشغل بهاتف مع إحدى الشركات، وخرج باتجاه السيارة التي تحولت الى مكتب متنقل، دون أن يلقي السلام على ابنه الوحيد الذي كان يراقب حركاته و ينتظر منه مداعبته او تقبيله ولو قبلة على الهواء، لكن انشغاله منعه من رؤية ابنه والتواصل معه إلا من خلال الهاتف السريع الذي قام بإجرائه الابن للاطمئنان على والده الذي بات لا يعرف إلا لغة الأرقام.


شخص آخر يمضي ما لا يقل عن اثني عشر ساعة في العمل، وساعتين في الطريق، وست ساعات في النوم، وما يتبقى من ساعات اليوم أربع ساعات تتوزع ما بين تناول الطعام والانشغال ببعض الاحتياجات الخاصة، وتأمين بعض مستلزمات البيت المادية، أما المعنوية فهي باتت من ذكريات الماضي، لأن عجلة الحياة المتسارعة قد طحنت كل ما هو جميل، من التواصل العائلي والاجتماعي. الإفراط في العمل يؤدي للانشغال عن أفراد الأسرة، والأصدقاء والذكريات الجميلة التي قد لا تعود ثانية، لأن عقارب الساعة تدور باتجاه واحد لا يتغير.


مثل هذا الشخص أو ذاك وغيرهم من الأشخاص يتحكم العمل بهم، دون أن يستطيع الواحد منهم التحكم به والسيطرة عليه. وللأسف نقول قد يكون مثل هذا الشخص ناجحا في عمله، لكن الضريبة الكبرى التي يدفع ثمنها دون أن يحسب حسابها رغم دقته في الحسابات المادية - تتجلى في ضعف التواصل مع من يحب. وبالإضافة الى ذلك يبدو القلق والتوتر النفسي، وسرعة الانفعال، والاضطرابات الجسدية ذات المنشأ النفسي سمة بارزة في حياته اليومية.


القلق ينجم عن الخوف من المستقبل، وعن الصراع المعلن حينا والمخفي حينا آخر، هذا الصراع سواء أقرينا به أم لم نقر يعد بمثابة القاتل البطيء لأجمل ما في الحياة، إنهم البنون زينة الحياة الدنيا، والزوجة التي تعد السند الأساسي لهذه الأسرة التي غالبا ما تحميها من الضياع، والتي تمنع التصدع في جدران الحياة العائلية. القلق مزعج في النهار ومؤرق في الليل.


يعد القلق من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعا، فهو يصيب 10 - 15% من الناس، ويزداد حدوثه في الفترات الانتقالية من العمر، كالانتقال من مرحلة البيت إلى المدرسة، أو من مرحلة الطفولة إلى المراهقة، وعند الانتقال إلى سن الشيخوخة والتقاعد، أو عند تغيير المنزل أو العمل أو ما شابه ذلك. وقد يصاب الإنسان بالقلق كانفعال طارئ يزول بزوال السبب، وقد يصبح مزمنا يبقى مع الإنسان لساعات أو أيام. وهنا تكمن المشكلة التي ينبغي العمل على التعرف الى أسبابها، والبحث عن حلول واقعية للتخلص منها ومن تأثيراتها السلبية، خصوصا أنها تخدر المشاعر، لهذا تبدو الصورة غير واضحة المعالم.


يؤدي القلق الناجم عن ضغط العمل والرغبة في تحقيق النجاح والثراء السريع الى تفاقم الاضطرابات النفسية والجسدية، والابتعاد عن الأحبة والأصحاب، وعدم التمتع بالراحة في النهار او الليل، لأن انشغال الذهن يبعد النوم عن العيون، ويشغل المرء عن المقربين منه، وعن التواصل معهم والاستمتاع بشريط الأحداث اليومية التي لا تعود للوراء، والحل يكمن في التنظيم ووضع الأهداف الواقعية، دون إغفال المشاعر التي خدرتها المادة تمهيدا للإجهاز عليها.






البيان