الشاهين
24-11-2007, 11:01 AM
بقلم - خالص جلبي
نحن دخلنا عصر الإنترنت ولا نعرف بعد ما هي ثقافة الإنترنت؟
إن عصر الإنترنت يختصر بثلاث كلمات: لم يبق مسافات. والرسالة التي تصل من غرفة إلى غرفة في نفس البيت، تصل بنفس السرعة إلى قرية نائية في جبال الإنديز.
وبذلك كسر العلم الجغرافيا، وأنهى عصر احتكار المعلومات، وقتل الرقابة قتلا. فأصبح الناس بنعمة الإنترنت إخوانا، يتنفسون الحرية بأمواج إلكترونية. والإنترنت يعني عصر انفساح المعلومات؛ فلم يبق سرية وأسرار.
وهذا يعني تراكما معرفيا، وتسارعا علميا، يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار. والمشكلة في المعلومات اليوم ليست شحها بل طوفانها، الذي يهدر بموج كالجبال مثل طوفان نوح...
ومن لم يفهم هذه الحقيقة فهو رجعي، ولو لبس نظارة إيطالية، وتدلت من صدره ربطة عنق أمريكية.
وعصر الإنترنت يعني ثالثاً انتهاء عصر الفردية، وأي عقل يتغذى حاليا من عقل جمعي جبار في حجم الكرة الأرضية برأس قطره 12756 كيلو مترا.
وهذه الحقائق الثلاث تلقي الضوء على أمور تحدث في العالم العربي تظهر عدم التكيف مع (صدمة المستقبل) كما يسميها (ألفين توفلر).
وحتى عام 1961 بقيت اللائحة السوداء للعديد من الكتب مثل كتب (سارتر) الوجودي وسواه محرمة عند الكنيسة.
ومشكلة الأنظمة أن برد العولمة فاجأها وهي تلبس قمصان الصيف فهي ترجف هلعا وفزعا من زمهرير المعلومات.
والسؤال هل الإنترنت هو للدخول وقراءة المعلومة بدون الترويج له؟
أم هل يسمح بالاطلاع وتبادل الرأي؟ مهما كان ضارا ومعارضا وحراما وعيبا في نظر (البعض)؟
وفي هذه المشكلة تبرز قضية ثلاثية كل واحدة أخطر وأهم من الثانية:
(1) أولاً ما الفرق بين (التفكير) و(التعبير) أو الاطلاع والاتصال أو قراءة المعلومة ونقلها؟ وهل ينطبق على قوانين الكلمة ما ينطبق في عالم المخدرات مثل الهيروين بين التعاطي والترويج ؟
(2) ثانياً: (علاقة الجغرافيا بالسياسة) أو (التكنولوجيا بالمراقبة)؛ فالإنترنت اليوم كسر الجغرافيا، ولكن رجال الأمن يريدون اصطياد أطباق طائرة بمكانس ساحرات العصور الوسطى؟
ويمنعون دخول كتب تنتقل بسرعة الضوء، بكبسة زر من أقصى المعمورة إلى أقصاها، مثل من يعيش عصر الضوء بمصباح الكيروسين، والعد بطريقة الأصابع في زمن رياضيات التفاضل والتكامل؛ فالعلم كما نرى كسر الجغرافيا وذبح المراقبة من الوريد إلى الوريد؟ وبغير أمل في الرجعة.
ومن وقف في وجه عجلة التاريخ سحقته ولم تبال.
(3) ثالثاً: فرض دخول عصر العولمة تحولا في السياسة..
فنحن هنا شهود على تحول نوعي في العالم، ولو كانت بمقدار النانو متر في الحركة، ولكنها تبقى حركة على أية حال.
ولو وقفت ذبابة على طرف حاملة طائرات؛ فإنها تؤثر في الاتزان بمقدار لا نعلمه.
"أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد". فيجب التفاؤل بالمستقبل.
وفلسفة نقل الأفكار تقوم على ثلاث أفكار:
(1) عندما نحرم نقل المعلومات نخطئ ثلاثاً؛ فليس هناك من وسط لتصحيح الأفكار ونموها مثل نقلها والجدل فيها.
واعتبر (برتراند راسل) في كتابه (السلطان) أن أفضل طريقة لنمو عقل الأطفال هي عرض المتناقض والمتباين عليهم؛ فليس هناك من مكان للنمو مثل التردد والتناوب بين الأفكار، ما يشبه التيار الكهربي الذي لم يكن ليفيد لولا تردده. والكهرباء الساكنة لا يعول عليها، مقابل المترددة والمتناوبة من قياس 110 و220 فولط.
(2) والعقل ليس بقاصر، ولا يتطهر وينمو ويستيقظ، مثل تغذيته المستمرة بدفق المعلومات؛ فلا وصاية على العقل، كما قال الفيلسوف (كانط) من أي مؤسسة دينية أو حزبية.
(3) وعندما يقسم من يقسم المعلومات فيقول: هذا حلال وهذا حرام، فيجب أن نجيبهم بما قال القرآن "هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون",
وهذا يعني إعادة نشر الأفكار للنقاش فيها. وهو ما هربنا منه فعدنا إليه. والكمبيوتر لا قيمة له بدون شاشة عرض (مونيتور) وإلا كان علبة صفيح لا أكثر.
إننا نخلط بين (المعلومة) و(نشرها) فنسمح بـ (حرية التفكير) ونحرم (حرية التعبير) إلا كما يشاء كهنة الكلام؟
ولكن حرمة التعبير تقتل التفكير والتعبير معاً؛ فهذه إحدى مفردات القانون الميمي الثلاثي في عالمنا (ما في . ممنوع . ما يصير).
ولكن متى طلب العقل إذناً بالتفكير لممارسة وظيفته؟
فالدماغ يفكر كما يخفق القلب، وتتنفس الرئة؟
ثم هب أننا قطعنا الألسنة، كما كان يفعل الفراعنة مع خدم الأهرام، فيدفنون مع أسراره كنوز فرعون؛ فهل يستجيب اللسان حقاً، أم يحدث ما حصل في قصة الراعي والمزمار؟
يحكى أن واليا كان يفتك بكل حلاق يقص له شعره، لأنه كان يفشي سر آذان الوالي الطويلة، حتى جاءه شخص كتم هذا السر، واستمر في الحلاقة، وحافظ على سلامة رأسه، ولكن الحلاق المسكين لم يستطع ضبط نفسه فذهب في غفلة عن العيون إلى شاطئ النهر، وهناك أمام هدير الماء المتدفق صرخ بأعلى صوته: آذان الوالي طويلة مشوهة قبيحة؟!
حتى جاء ذلك اليوم عندما نبتت فيه عيدان البوص، التي يستخدمها الرعاة للنفخ، وعندما بدءوا في النفخ للماشية، ارتجت الحقول مع مزامير الرعيان مع كل نفخة. آذان الوالي طويلة .. طويلة.
* نقلاً عن صحيفة الاقتصادية .
نحن دخلنا عصر الإنترنت ولا نعرف بعد ما هي ثقافة الإنترنت؟
إن عصر الإنترنت يختصر بثلاث كلمات: لم يبق مسافات. والرسالة التي تصل من غرفة إلى غرفة في نفس البيت، تصل بنفس السرعة إلى قرية نائية في جبال الإنديز.
وبذلك كسر العلم الجغرافيا، وأنهى عصر احتكار المعلومات، وقتل الرقابة قتلا. فأصبح الناس بنعمة الإنترنت إخوانا، يتنفسون الحرية بأمواج إلكترونية. والإنترنت يعني عصر انفساح المعلومات؛ فلم يبق سرية وأسرار.
وهذا يعني تراكما معرفيا، وتسارعا علميا، يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار. والمشكلة في المعلومات اليوم ليست شحها بل طوفانها، الذي يهدر بموج كالجبال مثل طوفان نوح...
ومن لم يفهم هذه الحقيقة فهو رجعي، ولو لبس نظارة إيطالية، وتدلت من صدره ربطة عنق أمريكية.
وعصر الإنترنت يعني ثالثاً انتهاء عصر الفردية، وأي عقل يتغذى حاليا من عقل جمعي جبار في حجم الكرة الأرضية برأس قطره 12756 كيلو مترا.
وهذه الحقائق الثلاث تلقي الضوء على أمور تحدث في العالم العربي تظهر عدم التكيف مع (صدمة المستقبل) كما يسميها (ألفين توفلر).
وحتى عام 1961 بقيت اللائحة السوداء للعديد من الكتب مثل كتب (سارتر) الوجودي وسواه محرمة عند الكنيسة.
ومشكلة الأنظمة أن برد العولمة فاجأها وهي تلبس قمصان الصيف فهي ترجف هلعا وفزعا من زمهرير المعلومات.
والسؤال هل الإنترنت هو للدخول وقراءة المعلومة بدون الترويج له؟
أم هل يسمح بالاطلاع وتبادل الرأي؟ مهما كان ضارا ومعارضا وحراما وعيبا في نظر (البعض)؟
وفي هذه المشكلة تبرز قضية ثلاثية كل واحدة أخطر وأهم من الثانية:
(1) أولاً ما الفرق بين (التفكير) و(التعبير) أو الاطلاع والاتصال أو قراءة المعلومة ونقلها؟ وهل ينطبق على قوانين الكلمة ما ينطبق في عالم المخدرات مثل الهيروين بين التعاطي والترويج ؟
(2) ثانياً: (علاقة الجغرافيا بالسياسة) أو (التكنولوجيا بالمراقبة)؛ فالإنترنت اليوم كسر الجغرافيا، ولكن رجال الأمن يريدون اصطياد أطباق طائرة بمكانس ساحرات العصور الوسطى؟
ويمنعون دخول كتب تنتقل بسرعة الضوء، بكبسة زر من أقصى المعمورة إلى أقصاها، مثل من يعيش عصر الضوء بمصباح الكيروسين، والعد بطريقة الأصابع في زمن رياضيات التفاضل والتكامل؛ فالعلم كما نرى كسر الجغرافيا وذبح المراقبة من الوريد إلى الوريد؟ وبغير أمل في الرجعة.
ومن وقف في وجه عجلة التاريخ سحقته ولم تبال.
(3) ثالثاً: فرض دخول عصر العولمة تحولا في السياسة..
فنحن هنا شهود على تحول نوعي في العالم، ولو كانت بمقدار النانو متر في الحركة، ولكنها تبقى حركة على أية حال.
ولو وقفت ذبابة على طرف حاملة طائرات؛ فإنها تؤثر في الاتزان بمقدار لا نعلمه.
"أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد". فيجب التفاؤل بالمستقبل.
وفلسفة نقل الأفكار تقوم على ثلاث أفكار:
(1) عندما نحرم نقل المعلومات نخطئ ثلاثاً؛ فليس هناك من وسط لتصحيح الأفكار ونموها مثل نقلها والجدل فيها.
واعتبر (برتراند راسل) في كتابه (السلطان) أن أفضل طريقة لنمو عقل الأطفال هي عرض المتناقض والمتباين عليهم؛ فليس هناك من مكان للنمو مثل التردد والتناوب بين الأفكار، ما يشبه التيار الكهربي الذي لم يكن ليفيد لولا تردده. والكهرباء الساكنة لا يعول عليها، مقابل المترددة والمتناوبة من قياس 110 و220 فولط.
(2) والعقل ليس بقاصر، ولا يتطهر وينمو ويستيقظ، مثل تغذيته المستمرة بدفق المعلومات؛ فلا وصاية على العقل، كما قال الفيلسوف (كانط) من أي مؤسسة دينية أو حزبية.
(3) وعندما يقسم من يقسم المعلومات فيقول: هذا حلال وهذا حرام، فيجب أن نجيبهم بما قال القرآن "هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون",
وهذا يعني إعادة نشر الأفكار للنقاش فيها. وهو ما هربنا منه فعدنا إليه. والكمبيوتر لا قيمة له بدون شاشة عرض (مونيتور) وإلا كان علبة صفيح لا أكثر.
إننا نخلط بين (المعلومة) و(نشرها) فنسمح بـ (حرية التفكير) ونحرم (حرية التعبير) إلا كما يشاء كهنة الكلام؟
ولكن حرمة التعبير تقتل التفكير والتعبير معاً؛ فهذه إحدى مفردات القانون الميمي الثلاثي في عالمنا (ما في . ممنوع . ما يصير).
ولكن متى طلب العقل إذناً بالتفكير لممارسة وظيفته؟
فالدماغ يفكر كما يخفق القلب، وتتنفس الرئة؟
ثم هب أننا قطعنا الألسنة، كما كان يفعل الفراعنة مع خدم الأهرام، فيدفنون مع أسراره كنوز فرعون؛ فهل يستجيب اللسان حقاً، أم يحدث ما حصل في قصة الراعي والمزمار؟
يحكى أن واليا كان يفتك بكل حلاق يقص له شعره، لأنه كان يفشي سر آذان الوالي الطويلة، حتى جاءه شخص كتم هذا السر، واستمر في الحلاقة، وحافظ على سلامة رأسه، ولكن الحلاق المسكين لم يستطع ضبط نفسه فذهب في غفلة عن العيون إلى شاطئ النهر، وهناك أمام هدير الماء المتدفق صرخ بأعلى صوته: آذان الوالي طويلة مشوهة قبيحة؟!
حتى جاء ذلك اليوم عندما نبتت فيه عيدان البوص، التي يستخدمها الرعاة للنفخ، وعندما بدءوا في النفخ للماشية، ارتجت الحقول مع مزامير الرعيان مع كل نفخة. آذان الوالي طويلة .. طويلة.
* نقلاً عن صحيفة الاقتصادية .