PDA

عرض الاصدار الكامل : فضل ماء زمزم


حسان
19-06-2007, 07:52 PM
د. عثمان جمعة ضميرية *
في الايام المباركة التي يهرول فيها المسلمون لأداء فريضة الحج، نذكر حكمة الله تعالى من المفاضلة بين الأمكنة والازمنة والعبادات، ونستعيد في شعورنا وواقعنا ذكريات سلفت لأبي الانبياء ابراهيم عليه السلام، ونستشعر رحمة الله تعالى وفضله على اسماعيل عليه السلام وأمه هاجر، مذ جاء ابراهيم عليه السلام الى هذا الوادي المبارك عند مكان البيت الحرام، انفاذا لأمر الله تبارك وتعالى.
قال ابن عباس، رضي الله عنهما: “ثم جاء بها ابراهيم وبابنها اسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في اعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، قفل ابراهيم منطلقا، فتبعته ام اسماعيل، فقالت: يا ابراهيم اين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت اليها.
فقالت له: الله امرك بهذا؟ قال نعم، قالت: اذن الله لا يضيعنا، ثم رجعت. فانطلق ابراهيم حتى اذا كان عند الثنية، حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات، ورفع يديه فقال: “رَبّنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع” حتى بلغ “لعلهم يشكرون”.

بين الصفا والمروة
وجعلت أم اسماعيل ترضع اسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى اذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر اليه يتلوى أو قال: يتلبط فانطلقت كراهية ان تنظر اليه، فوجدت الصفا اقرب جبل في الارض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي، تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الانسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات.
قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فذلك سعي الناس بينهما.
فلما اشرفت على المروة سمعت صوتا، فقالت: صه تريد نفسها ثم تسمعت ايضا فقالت: قد اسمعت ان كان عندك غواث، فإذا هي بالملك (جبريل) عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أو قال: بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف.
قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يرحم الله أم اسماعيل لو تركت زمزم أو قال: لو لم تغرف من لكانت زمزم عينا معينا.
قال: فشربت وارضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة، فإن ها هنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وابوه، وان الله لا يضيع أهله.
وكان البيت مرتفعا من الأرض تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا عائفا، فقالوا: ان هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدن بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء. فأقبلوا قال: وأم اسماعيل عند الماء.
فقالوا: أتأذنين لنا ان ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم.
قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فألفى ذلك أم اسماعيل وهي تحب الأنس، فنزلوا، وأرسلوا الى اهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وانفسهم واعجبهم حين شب، فلما ادرك زوجوه امرأة منهم، وماتت أم اسماعيل..”.
تلكم هي بداية زمزم، التي جعلها الله تعالى رحمة منه ونعمة، اكرم بها اسماعيل عليه السلام وأمه هاجر، لما كانا عليه من ايمان واستقامة وعبودية خالصة لله تعالى تتجلى في قولها لابراهيم: “إذن لا يضيعنا”، ومن سنة الله تعالى ان يفتح ابواب الخيرات والرزق لعباده، حتى إذا بغوا في الأرض وجاروا عن الحق رفع عنهم هذه النعمة ونزع البركة وغير ما بهم من خير وفضل ونعمة: “ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”(الانفال: 53) وهذا ما نجد مصداقه في قصة زمزم وجرهم.

رؤيا عبدالمطلب
فلما توفي اسماعيل عليه السلام ولي البيت بعده ابنه، ما شاء الله ان يليه، ثم وليت البيت بعده قبيلة جرهم، ثم ان جرهما بغت في مكة واستحلت خصالا من الحرمة، فظلمت من دخلها من غير اهلها، وأكلت مال الكعبة الذي يهدى إليها، فضعف حالها، فحاربتها خزاعة واخرجتها من مكة، إذ كانت مكة في الجاهلية لا تقر ظلما ولا بغيا، فدفنت جرهم (زمزم) عند خروجها، ونضب ماؤها، وعفت الايام على معالمها، وبقيت على هذه الحال حتى هيأ الله لها من يعيد حفرها ثانية على يدي عبدالمطلب بن هاشم، بعد ان درس رسمها الى زمانه.
وكان عبدالمطلب قد ولي السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، فأقامها للناس، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من امرهم، وشرف في قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه وعظم خطره فيهم.
وبينما هو نائم في الحجر كما تذكر كتب السيرة إذ آتاه آت في المنام، فقال: احفر طيبة.. وفي الغد أتاه فقال: احفر برة، وفي الثالثة قال له: احفر المضنونة: وفي المرة الرابعة قال له: احفر زمزم.. فسأله وما زمزم؟
قال: لا تنزف أبدا (لا يفرغ ماؤها)، ولا تذم (لا تكون قليلة الماء)، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بيت الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم (في جناحيه بياض)، عند قرية النمل.
فلما بين له شأنها ودله على موضعها، وعرف انه قد صدق، غدا بمعوله، ومعه ابنه الحارث، وحفر فيها، فخاصمته قريش لأنها بئر ابيهم اسماعيل فأرادوا ان يشاركوا في ذلك، فأبى عليهم، فاختصموا الى كاهنة سعد بن هذيم، ولما كانوا بأطراف بلاد الشام في طريقهم اليها، ونفد الماء الذي معهم، وكادوا يهلكون اشار عليهم عبدالمطلب بأن يرتحلوا لعلهم يجدون ماء، فلما تقدم الى راحلته فركبها، وانبعثت به انفجرت من تحت خفها عين من ماء عذب، فكبر عبدالمطلب وكبر اصحابه، ثم نزل فشرب وشرب اصحابه واستقوا حتى ملأوا اسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش، فجاءوا وشربوا واستقوا، ثم قالوا: قد والله قضي لك يا عبدالمطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبدا ان الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع الى سقايتك راشدا. فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا الى هذه الكاهنة، وخلوا بينه وبين زمزم، ثم ان عبدالمطلب أقام سقاية زمزم للحجيج.

جبريل يغسل صدر الرسول
وكان بعد ذلك ان بعث الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم خاتما للأنبياء والمرسلين ومجددا لدعوة التوحيد، ومما أيده الله تعالى به معجزة الاسراء والمعراج، وكان غسل صدره الشريف عليه السلام بماء زمزم مقدمة لذلك.
كان ابو ذر رضي الله عنه يحدث ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري ثم اطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي الى السماء الدنيا.
فلما جئت الى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء: افتح قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل قال: هل معك أحد؟ قال نعم، معي محمد صلى الله عليه وسلم. فقال: أرسل اليه؟ قال نعم..”.
وعند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم كانت السقاية، أي سقاية الحاج من زمزم، قد وليها العباس بن عبدالمطلب، عم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وشجعهم عليه، واعتبره عملا صالحا.
عن ابن عباس، رضي الله عنهما، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء الى السقاية فاستقى طلب الشرب فقال العباس: يا فضل اذهب الى أمك فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها، فقال: اسقني. قال: يا رسول الله انهم يجعلون ايديهم فيه. قال اسقني، فشرب منه، ثم أتى زمزم، وهم يسقون ويعملون فيها فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح، ثم قال: لولا ان تغلبوا لنزلت حتى اضع الحبل على هذه واشار الى عاتقه”.
ومعنى قوله عليه السلام: “لولا ان تغلبوا..” أي لولا ان تغلبكم الناس على هذا العمل اذا رأوني قد عملته، لفعلت، ويؤيد هذا ما اخرجه مسلم من حديث جابر: “أتى النبي صلى الله عليه وسلم بني عبدالمطلب وهم يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبدالمطلب، فلولا ان تغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم”.
وقد شرب النبي صلى الله عليه وسلم من ماء زمزم، وهذا من سنن الحج، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب وهو قائم”.
وفي المصنف عن طاووس قال: “شرب نبيذ السقاية من تمام الحج”.
وعن عطاء: “لقد ادركته، وان الرجل ليشربه فتلزق شفتاه من حلاوته”.

شبع وري وصحة
ومما يشير الى فضل ماء زمزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهتم به ويأمر بحمله اليه، فقد ذكر المحب الطبري في كتابه “القرى لقاصد أم القرى” عن ابن ابي حسين قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى سهيل بن عمرو: “ان جاءك كتابي هذا ليلا فلا تصبح، وان جاءك نهارا فلا تمسين، حتى تبعث اليّ بماء من زمزم”.
فذهب به منه الى المدينة وكانت عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها تحمل ماء زمزم، وتخبر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحمله”.
وتواردت احاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الترغيب في شرب ماء زمزم وبيان فضله وما فيه من الفائدة والفضل على غيره من الماء.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير ماء على وجه الأرض، ماء زمزم، فيه طعام الطعم، وشفاء سقم”.
ومن يشرب ماء زمزم يجد الشبع والري والصحة، وتزول عنه النهمة والجشع للأكل فقد كان ابن عباس رضي الله عنه يقول: كنا نسميها شباعة يعني زمزم وكنا نجدها نعم العون على العيال”.
وماء زمزم ينفع بإذن الله تعالى من يشربه لأي أمر شربه، سواء كان من أمور الدنيا أو الآخرة، فقد جاء في الحديث الشريف عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ماء زمزم لما شرب له”.
وفي حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ماء زمزم لما شرب له، ان شربته تستشفي به شفاك الله، وان شربته لشبعك اشبعك الله به، وان شربته لقطع ظمئك قطعه الله، هي هزمة جبريل، وسقيا اسماعيل”.
وفي رواية أخرى بزيادة “وان شربته مستعيذا أعاذك الله” وكان ابن عباس رضي الله عنهما اذا شرب ماء زمزم قال: “اللهم إني أسألك علما نافعا، ورزقا واسعا، وشفاء من كل داء”.
ولذلك كان العلماء من السلف، رحمهم الله، يشربون زمزم ويدعون بعد ذلك، فقد أتى ابن المبارك، رحمه الله، ماء زمزم، واستسقى منه شربة، ثم استقبل الكعبة فقال: “اللهم ان ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ماء زمزم لما شرب له، وهذا اشربه لعطش يوم القيامة، ثم شرب”.
وإذا كان لماء زمزم هذا الفضل الكثير الذي اشارت اليه أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم فإن من علامات الايمان ان يتضلع المؤمن منه ويشرب حتى يرتوي ويمتلئ منه شبعا أو ريا يبلغ اضلاعه كما جاء في الحديث الشريف، فقد جاء رجل الى ابن عباس فقال: من أين جئت؟ قال: شربت من ماء زمزم.
قال ابن عباس: اشربت منها كما ينبغي؟
قال: كيف ذاك يا ابن عباس؟
قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة، واذكر اسم الله، وتنفس ثلاثا، وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم”.

اسماء زمزم
زمزم (بفتح أوله وسكون ثانيه، وتكرار الميم والزاي) قيل انها سميت بهذا الاسم لكثرة مائها.
وقيل: سميت بذلك لأن هاجر ضمت ماءها حين انفجرت وزمتها، وقيل: بل سميت زمزم لزمزمة جبريل عليه السلام وكلامه عليها.
وقال مجاهد: سميت زمزم لأنها مشتقة من الهزمة، والهزمة: الغمز بالعقب في الارض.
وقيل: لأنها زمت بالميزان لئلا تأخذ يمينا وشمالا.
ولها اسماء، وهي: زمزم، وزمم، وزمازم، وركضة جبريل، وهزمة جبرائيل، وهزمة الملك، وهي سقيا الله لاسماعيل، والشباعة، وبرة، ومضنونة، وتكتم، وشفاء سقم، وطعام طعم، وشراب الابرار، وطيبة.
وهذه الاسماء الكثيرة دلالة اخرى على فضل زمزم ومكانتها، فإن كثرة الاسماء تدل على شرف المسمى وعظمته.
* كلية الشريعة والدراسات الاسلامية - جامعة الشارقة