الشاهين
15-09-2007, 11:09 AM
الحملات الصحفية التي تشنّها صحيفة "الاتحاد" وبعض الصحف المحلية الأخرى على موجات الغلاء وارتفاع الأسعار بشكل قياسي في الأسواق المحلية، تجسّد بحدّ ذاتها ممارسة حقيقية لأحد أبرز أدوار الصحافة في المجتمع. هذه الحملات التي تنطلق من تحقيقات واستطلاعات ميدانية تكشف وتفضح العديد من الممارسات التجارية الخاطئة في الأسواق، يمكن أن تكون إحدى أدوات السيطرة على السوق وضبط إيقاع الأسعار، ولكنها بالتأكيد ليست الوسيلة الوحيدة أو المعالجة المثلى لهذه الظاهرة على المدى الزمني البعيد، بمعنى أن تسليط الضوء -صحفياً- على التجّار ربما يسهم في وضع هذه الشريحة تحت ضغط إعلامي- مجتمعي معيّن يدفعهم إلى التخلّي عن ممارساتهم مرحلياً، ولكن من الصعب الرهان على استمرارية هذا التوجّه، سواء لأن الصحافة ذاتها قد لا تستطيع مواصلة حملاتها الصحفية بالوتيرة ذاتها في ملف معيّن وتتخلّى عن بقية التزاماتها المهنية، أو لأن الصحافة ربما تخشى أيضاً السقوط في فخ "التكرار الممل" في موضوع يصعب إخضاع مفرداته ومشاهده وأبطاله لقواعد التغيّر والتجديد المنشود في الممارسات الصحفية السليمة، أو لأن التجار أنفسهم سيعتادون هذا الضغط الإعلامي والمجتمعي ويجدون من السبل ما يكفي للهروب من تحت طائلته أو التحلل منه بأي دعاوى أو حجج.
التحقيقات الصحفية شبه اليومية باتت أشبه بمحاكمة شعبية للتجار، ولكن من يقرأ تفاصيل هذه "المحاكمة" ربما يقع في فخ التشتت وانعدام التركيز وبالتالي لا يصبح قادراً على تحديد المسؤوليات بشكل موضوعي، فتجّار التجزئة يلقون بالكرة في ملعب الوكلاء والمستوردين وتجّار الجملة، بينما الشريحة الأخيرة تحمّل بدورها المسؤولية لبلد المنشأ وما يحكم السوق العالمية من قواعد العرض والطلب وما يرتبط بالممارسات التجارية بشكل عام من تفاصيل ربما تغرق القارئ أو تقترب به من دائرة الاستسلام للأمر الواقع! إذ إن دوامة التفاصيل تجعل من الصعوبة بمكان تحديد المسؤوليات والإمساك بطرف الخيط في لعبة ارتفاع الأسعار كي يمكن بالتبعية توجيه الاتهام إلى طرف محدّد مع تجذّر اليقين بمسؤوليته المطلقة عن الغلاء.
الحملات الميدانية التي تقوم بها قيادات وزارة الاقتصاد هي بالتأكيد أيضاً جهد مشكور في السيطرة الآنية على الأسواق، بل هي أحد الحلول العاجلة لتحقيق قدر ما من الانضباط السعري، ولكن النظرة الموضوعية إلى هذه الحملات تشير إلى صعوبة الرهان عليها كمخرج ينهي ظاهرة الارتفاع العشوائي في الأسعار، فالجولات الميدانية للمسؤولين في الأسواق وإيقاع الغرامات الفورية على المخالفين تفرز قدراً من الردع، ولكن هذا الجهد يبقى تحت بند الردع المؤقت والحلول المسكنة التي ينبغي أن تتبعها إجراءات أخرى وحلول جذرية أكثر فاعلية ومقدرة على الاستمرار.
المفترض أن يكون هناك فرق عمل رسمية من مختلف الجهات المعنية بالأسواق تتولّى دراسة هذه الظاهرة من جوانبها كافة للتعرّف إلى حقيقة الادعاءات والاتهامات التي تتبادلها مختلف الأطراف في السوق، والتأكّد مما يثار بشأن ارتفاع الأسعار في بلد المنشأ بالنسبة إلى العديد من السلع، وبالتالي تحديد المسؤوليات ووضع مؤشرات سعرية وتحديد ما هو مقبول وما هو مرفوض من زيادات سعرية كي لا يتحوّل النقاش إلى جدل عقيم من دون حلول واضحة، ومن دون أن نوظف هذه الفورة الرسمية والمجتمعية في وضع آليات جديّة مدروسة تضمن سيطرة حقيقية على الأسواق وتضع من البدائل ما يكفل للدولة أن تتدخّل بشكل يتناسب مع قواعد الاقتصاد الحر التي لا تخلو بدورها من أدوات تضمن محاربة الاحتكار والمحتكرين.
* عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية .
التحقيقات الصحفية شبه اليومية باتت أشبه بمحاكمة شعبية للتجار، ولكن من يقرأ تفاصيل هذه "المحاكمة" ربما يقع في فخ التشتت وانعدام التركيز وبالتالي لا يصبح قادراً على تحديد المسؤوليات بشكل موضوعي، فتجّار التجزئة يلقون بالكرة في ملعب الوكلاء والمستوردين وتجّار الجملة، بينما الشريحة الأخيرة تحمّل بدورها المسؤولية لبلد المنشأ وما يحكم السوق العالمية من قواعد العرض والطلب وما يرتبط بالممارسات التجارية بشكل عام من تفاصيل ربما تغرق القارئ أو تقترب به من دائرة الاستسلام للأمر الواقع! إذ إن دوامة التفاصيل تجعل من الصعوبة بمكان تحديد المسؤوليات والإمساك بطرف الخيط في لعبة ارتفاع الأسعار كي يمكن بالتبعية توجيه الاتهام إلى طرف محدّد مع تجذّر اليقين بمسؤوليته المطلقة عن الغلاء.
الحملات الميدانية التي تقوم بها قيادات وزارة الاقتصاد هي بالتأكيد أيضاً جهد مشكور في السيطرة الآنية على الأسواق، بل هي أحد الحلول العاجلة لتحقيق قدر ما من الانضباط السعري، ولكن النظرة الموضوعية إلى هذه الحملات تشير إلى صعوبة الرهان عليها كمخرج ينهي ظاهرة الارتفاع العشوائي في الأسعار، فالجولات الميدانية للمسؤولين في الأسواق وإيقاع الغرامات الفورية على المخالفين تفرز قدراً من الردع، ولكن هذا الجهد يبقى تحت بند الردع المؤقت والحلول المسكنة التي ينبغي أن تتبعها إجراءات أخرى وحلول جذرية أكثر فاعلية ومقدرة على الاستمرار.
المفترض أن يكون هناك فرق عمل رسمية من مختلف الجهات المعنية بالأسواق تتولّى دراسة هذه الظاهرة من جوانبها كافة للتعرّف إلى حقيقة الادعاءات والاتهامات التي تتبادلها مختلف الأطراف في السوق، والتأكّد مما يثار بشأن ارتفاع الأسعار في بلد المنشأ بالنسبة إلى العديد من السلع، وبالتالي تحديد المسؤوليات ووضع مؤشرات سعرية وتحديد ما هو مقبول وما هو مرفوض من زيادات سعرية كي لا يتحوّل النقاش إلى جدل عقيم من دون حلول واضحة، ومن دون أن نوظف هذه الفورة الرسمية والمجتمعية في وضع آليات جديّة مدروسة تضمن سيطرة حقيقية على الأسواق وتضع من البدائل ما يكفل للدولة أن تتدخّل بشكل يتناسب مع قواعد الاقتصاد الحر التي لا تخلو بدورها من أدوات تضمن محاربة الاحتكار والمحتكرين.
* عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية .